اليابان، بلد التفاصيل الصغيرة!

إن المعيشة في اليابان لفترات طويلة تجعلك تنظر للوراء لتتأمل حياتك ومبادئك بل وأحياناً معتقداتك من وقت لآخر. ربما تجد أن أموراً قد كنت تتمسك بها وكأنها محرمات، مثل أن الخمر ممنوع الإقتراب منه وتتخلى عنه طواعية وعن اقتناع تام. وأحيانا يحدث العكس مع بعض الناس حيث يرتد إرتدادة شديدة بسبب تمسكه بهويته سواء الثقافية والدينية، خوفاً من الوقوع في براثن التغيير من وجهة نظره. أما أنا فأحاول قدر الإمكان أن أبقى في المنتصف من مبدأ خير الأمور أوسطها، لكني ورغم ذلك أجدني دون أن أشعر وقد تغيرت اهتماماتي وميولي ومبادئي.

بلد التفاصيل الصغيرة

في اليابان التفاصيل مهمة جدا في كل مناحي الحياة، فهم يقرون مبدأ “أهم من العمل تحسين العمل”. فمثلا ذهبت ذات مرة أنا وزوجتي لمحل شهير للآيس كربم في فصل الصيف العام الماضي، وقد قدم لنا الآيس كريم بكمية كبيرة وطعم أعجبني للغاية، ومع الآيس كريم وضع كوب من الماء الدافئ! في البداية لم أستوعب الأمر لكن على كل حال بدأت في حفلة التهام الآيس كريم بنهم شديد. لكني أحسست في المنتصف بحلقي يؤلمني قليلاً بسبب الآيس كريم، وهنا أدركت معنى كوب الماء الدافيء! فقد ارتشفت منه رشفة قليلة ليذهب هذا الشعور البسيط بألم الحلق وأستمتع بالآيس كريم. فكرة بسيطة وربما تراها أنت تافهة لكنها حقا كانت لفتة دقيقة للتفاصيل يتميز بها اليابانيون عن غيرهم.

مثال آخر، عندما تشتري أي شيئ من السوبر ماركت سواء في كيس أو ملفوف يجب أن تجد مكان لفتح الكيس أو العبوة ببساطة. أعرف أحد الأشخاص أخذ يحاول فتح كيس شيبسي بكل الطرق حتى وصل لاستخدام أسنانه! نحن لم نتعود على (الدلع) يا سادة. لكن عندما أشرت لمكان الفتح المحدد فتح بكل سهولة، وهنا يكمن الفرق في التعامل مع العميل والإحساس به.

هذه التفاصيل أصابتني بمرض التفكير في كل شئ ووضع التفاصيل في الإعتبار في كل نواحي حياتي، وهو أمر لو تعلمون مرهق للغاية. أين هي حياة الفوضى والعشوائية التي تعودت عليها؟ اليابان تجبرك على التفكير رغم إرادتك، تجبرك على عدم الرضا عن نفسك مهما حدث. بالمناسبة عندما أذهب للسوبر ماركت لا تعطيني موظفة الكاشير الكيس الذي سأضع فيه مشترواتي فقط بل تفتحه لي قبل أن تضعه في السلة حتى يتسنى لي وضع مشترواتي بسهولة! وهنا تذكرت كيف كنت أعاني لفتح الكيس حتى أقطعه من العصبية لأنه ملتصق ببعضه.

عن الكاتب

حسن الشريف

حسن الشريف

رئيس تحرير قسم اللغة العربية بموقع nippon.com. تخرجت من قسم اللغة اليابانية اليابانية وآدابها، كلية الآداب جامعة القاهرة، عملت بشركة تايسي اليابانية في مشروع القرن بالجزائر الديمقراطية. أعيش في اليابان منذ ٦ أعوام. أتمنى تصل كلماتي و مقالاتي عن اليابان لكل المهتمين بهذا البلد الرائع في العالم العربي من الخليج إلى المحيط.
مقالات بواسطة حسن الشريف

اعجبتك التدوينة! شاركها مع الآخرين.

الصفحة 1 من 1712345...10...الأخيرة »

Comments

comments

تواصل معنا

شكراً لك، لقد استلمنا رسالتك وسنعاود الرد عليك بأسرع وقت.

10 + 8 =