رجال نهضوا بالصناعة اليابانية، مؤسس شركة ياماها “توراكوسو ياماها”

صراع الصناعة في القرن الـ 19 (توراكوسو ياماها)

 عندما نتحدث عن الصناعة في العالم وما وصلنا إليه من تطور فإننا نذكر الثورة الصناعية الفرنسية والأوروبية دائماً. وعندما نتذكر الثورة الصناعية في اليابان نتذكر ما بعد الحرب العالمية الثانيه. فإن قصة كفاح ونهضة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية قصة يحب أن يتذكرها الجمع ويتأملها. ولكن هل فكر أحداً من قبل عن الثورة الصناعية التي قامت في اليابان في القرن التاسع عشر؟ أي قبل الحرب العالمية الثانية؟ في زمن غابت فيه الإمكانيات، خرج رجالاً صنعوا بأسمائهم التاريخ حتى يومنا هذا ولا نعرف إلا أسماء ما صنعوه فقط. ولهذا بدأ رجال الصناعة في إطلاق أسماءهم على هذه الشركات.

من ضمن هذه الأسماء الضخمة هي شركة ياماها اليابانية. من منا كان يعرف أن مؤسس هذه الشركة هو “توراكوسو ياماها 山葉寅楠” شخص نهض في مجال الصناعة في وقت كانت فكرة النهضة في هذا المجال تعتبر صراع غير محدد النتائج.

نشأت وتعليم توراكوسو ياماها

ولد توراكوسو ياماها لعائلة كيشو توكوقاوا ياماها في عام 1851. نشأ ياماها في ظروف غير مستقرة في تاريخ اليابان حيث كان والده أحد مقاتلي الساموراي ولم يرد والده لإبنه بأن يسلك طريق القتال وحمل السيف، بل ساعده والده في أن يحصل على أفضل درجات التعليم وأجود أنواعه. فتعلم ياماها مجالات لم تكن منتشرة في تلك الأيام، فقد تعلم العلوم الحديثة والفلسفة ودرس عن الهندسة المتقدمة وعلم الفضاء واحضر له والده أفضل المعلمين والتحق بأفضل المدارس التي تساعده لتحقيق أهدافه في التعليم، كانت أحلام ياماها في هذا الوقت عظيمة، فقد كان يحلم بالنهضة ليسبق العالم اجمع وينهض بمكانة اليابان الصناعية. كانت تعتبر أحلام ضخمة خاصة لفتى في عمره كما أن الظروف المحيطة به لم تكن تساعده على الوصول إلى ما يحققه من تحقيق أحلامه، ولكن دعونا نرى كيف بدأ الفتى في تحقيق طموحه.

هوايته وبداية صناعته

 وقع الفتى الصغير في هوى الساعات وميكانيكية عملها لذلك اتبع أهواءه وافتتح ورشة لتصليح الساعات ولكن لأسباب غير معلومة فشلت هذه الورشة، ليتجه بعدها ياماها إلى تصليح المعدات الطبية واي أدوات أخرى ليكتشف ياماها أن هوايته المفضلة ليست الساعات فقط بل هي تصليح المعدات لما كان يجد فيها من لذة لتطبيق ما درسه من علوم الهندسة والميكانيكا.

وتأتي الصدفة التي تساعده في صناعة النجاح، قد يقول البعض أن ما يصل إليه أي شخص ناجح كان مجرد صدفة عابرة أتت في طريقه، ولا يدري أيا منا أن الشغف والإصرار والمثابرة والاجتهاد هم أساس الوصول للنجاح وأن أتت لك مليون فرصة دون أن تستخدم ذكائك وقدراتك لاستغلالها فلن تصبح ناجح قط، ولكن دعونا من هذا الحديث التحفيزي ودعونا ننظر إلى تلك الفرصة ما هي؟ هل كانت تستحق كل هذا الحديث؟ هل استغلها توراكوسو ياماها بشكل ممتاز؟

الصدفة التي أنتجت أول بيانو صنع في اليابان

 في إحدى الأيام استدعت مدرسة (مدرسة جينجو الإبتدائية المعروفة حالياً بإسم مدرسة موتوشيرو الإبتدائية) في أحد القرى الصغيرة بمدينة هاماماتسو في محافظة شيزوكا توراسوكو ياماها وطلبت منه تصليح آلة الأورغان الخاصة بها والتي كانت أمريكية الصنع ماركة ميسون & هاملين، ونتيجة لذكاء توراكوسو الكبير فقد كانت لديه عادة رائعة أنه إذا قام بتصليح أي آلة أو معدة فإنه يقوم بتعليم نفسه أسلوب عمل هذه الآلة ومكوناتها الداخلية. وكان هذا كله ناتج من حبه للهندسة، ولم تكن هذه صدفة قدر كونها حبه للتعلم وذكاءه وقدرته على الفهم.

 بعد أن تعلم توراكوسو ياماها تكوين الأورغان الداخلي ورسم مخططه بدأ توراكوسو بإنشاء الأورغان الخاص به وقد قام بإنشاء شركة ياماها لتكون حاضنة لصناعة هذه الألة، وليتمكن توراكوسو من عرض منتجه الجديد على معهد الموسيقى في ذلك الوقت (جامعة طوكيو للفنون الجميلة والموسيقى حالياً) لم يكن الطريق سهلاً أبداً علق توراكوسو الآلة التي صنعها على كتفه عابراً بها جبال هاكونى ليتم تخليد هذه الرحلة فيما بعد بنحت تاريخي.

كانت بالفعل هذه الرحلة تاريخية على الأقل بالنسبة لشركة ياماها فعندما وصل توراكوسو إلى المعهد الموسيقي وعرض آلته على الخبراء تم انتقادها بشدة وبشكل حاد بسبب سوء درجات الضبط بها، ومن هنا نتعلم أن علم الهندسة وحده لا يكفي لصنع آلة موسيقية وهو ما تعلمه توراكوسو مما دفعه إلى دراسة علم الموسيقى لمدة أربعة شهور كاملة. ليتعلم ما ينقص اختراعه وليقوم بتعديل ما تم انتقاده عليه بواسطة الخبراء، لم يكن تعلمه لمجال الدرجات والموسيقى هذا سهل أبدا ولكن سعياً خلف طموحاته. استطاع توراكوسو ياماها من أن يكمل آلته في خلال أربعة شهور فقط ليضيف إليها شوكة ضبط تعمل على أساس ما درسه من درجات الموسيقى وكان أثناء هذه الدراسة ماسكا هذه الشوكة في يده ليتعلم ظبط الإيقاع عليها.

تطور شركة ياماها ومنتجاتها

 بعد عقد من الزمن على تجربة الأورغان هذه، تغير اسم الشركة ليصبح “مؤسسة نيبون قاكي日本楽器製造株式会社” وتعني في اللغة اليابانية شركة تصنيع معدات الموسيقى اليابانية. وبعد تعدد الصناعات بها، عادت الشركة إلى مسماها السابق “شركة ياماها” مرة أخرى. قام توراكوسو بدراسة صناعة أداة البيانو الأمريكية وتطوير معرفته بالآلات التي تعتمد على لوحة المفاتيح في عام 1900 لتقدم المؤسسة أول آلة بيانو ذات صناعة يابانية ولتشتهر الشركة بعد ذلك بصناعة الآلات الموسيقية التي تعتمد على لوحة المفاتيح.

وهناك عدة خطوات ومنتجات ساعدت في جعله شركة ياماها ما هي عليه الآن. بعض هذه الخطوات قام بها توراكوسو ياماها بنفسه، والبعض الأخر حدثت بعد وفاته ولكن كانت نتيجة لما قام به هذا الرجل العظيم في وقت كان ما قام به يعتبر مستحيل. وهذه الخطوات هي:

  • تصميم وإنتاج أول أورغان خاص بالشركة على يد توراكوسو ياماها عام 1887.
  • إنشاء شركة نيبون قاكي 日本楽器製造株式会社 المتحدة برأس مال يبلغ 100 ألف ين ياباني في عام 1897 وبدأ مرحلة إنتاج آلات البيانو الخاصة بالشركة في عام 1900م.
  • بدأ طرح أسهم الشركة في سوق البورصة اليابانية عام 1954.
  • تأسيس مدرسة ياماها لتعليم الموسيقى وإنتاج أول مشغل هاي فاي في عام 1954.
  • إنشاء شركة ياماها لإنتاج المحركات في عام 1955 لإنتاج محركات الدراجات البخارية.
  • إكمالا لما بدأه توراكوسو قامت المؤسسة بإنتاج آلات الاورغان الكهربية في عام 1960.
  • إنشاء مؤسسة ياماها الدولية المعروفة حاليا باسم مؤسسة أمريكا في عام 1960. ثم بعدها بعامين تبدأ المؤسسة في الأعمال الترفيهية.
  • اتجهت الشركة أيضا لإنتاج معدات الرياح في عام 1965. وتوسعت مؤسسة ياماها الموسيقية في أوروبا في عام 1966. ثم بدأت في إنتاج أشباه الموصلات في عام 1971.
  • بعد مرور مائة عام على إنشاء الشركة تم تسميتها بمؤسسة ياماها نسبة إلى مؤسسها الأول توراكوسو ياماها.
  • تطورت الشركة في الألفية الثالثة بشكل ضخم وقامت بإصدار المزيد من المنتجات لتصبح أحد أكبر المؤسسات اليابانية في مجال الصناعة.

توفى توراكوسو ياماها في عام 1916 تاركا خلفه بذرة لإمبراطورية صناعية ضخمة مبتت لتعمل على إنتاج أفضل ثمار الصناعة اليابانية ونتمنى أن نكون قد ألقينا الضوء على حجم الصراع والتحديات التي واجهها هذا الرجل في زمن كان إبذار مثل تلك البذور من المستحيلات. فلن تنسى أبدا إمبراطورية الصناعة اليابانية “ياماها” مؤسسها والأب الروحي “توراكوسو ياماها”.

 

فيديو

المصادر

موقع شركة ياماها على الأنترنت

عن الكاتب

ساكورابيا

ساكورابيا

اليابان، بلغة عربية
مقالات بواسطة ساكورابيا

اعجبتك التدوينة! شاركها مع الآخرين.

تواصل معنا

شكراً لك، لقد استلمنا رسالتك وسنعاود الرد عليك بأسرع وقت.

6 + 15 =